على ناصية الحارة تجدها .. إمرأة في العقد الثالث من عمرها ترتدي الأسود .. يكسو وجهها الأبيض المشرب بالحُمرة أثار الشقاء والعنت .. تفترش على قفص صغير الكثير من الحلوى وبعض مستلزمات الأطفال لجلب الرزق إليها.
توفى عنها زوجها في سن صغير وترك لها طفلين فتى في السابعة ذا جسد نحيل أسمر البشرة أجعد الشعر .. وفتاة في الرابعة قد ورثت الجمال عن أمها .
بعد وفاة زوجها كان يتردد عليها صديق حميم له يقضي لها بعض الأشياء ويقدم لها قدر المستطاع ما تحتاجه .. وبعد ستة أشهر تودد إليها أن تتزوجه .. قال " أولادك في حاجة الى من يربيهم وأنتِ سيدة وحيدة لاحول ولا قوة لكِ .. ثم إن المعاش لن يوفر لكِ كل ما تحتاجينه وزوجك كان صديقاً لي وأولادك أولادي "
شعرت أنها بمجرد التفكير في الزواج بعد زوجها المتوفي هو خيانة له بعد أن قضت معه الحب كما يجب أن يكون.
وبعد ضيق الحياة عليها انصاعت إليه وتوسمت فيه خيراً .. تزوجها في شقتها ذات الحجرة الوحيدة .. شعر طفليها بالحزن العميق والضيق والضجر الشديد من ذلك الرجل الذي سلب منهما عطف أمّهم وتقاسم معهما حضنها .. فلم تعد تهتم بهما كما كان في الماضي .. كل ليلة ينالان نصيبهما من السباب بعد أن يأمرهما أن يضجعا على الحصير في ركن منزوِ بعيداً عن الفراش .. ويرقبهما إذا صوب أحدهما عينيه تجاه الفراش يلقي عليه وابل من السباب فيطبقان أعينهما في غضب مكظوم.
وبعد شهرين كانت قد جردت نفسها من جميع مستحقاتها حتي يطلقها .. أمَّا الأن فقد أوصدت الباب الى الأبد في وجه الرجال ولم تعد تفكر في الزواج إطلاقاً لا تريد أن تتجرع هيَّ وأطفالها الذل والمهانة مجدداً.
**********************
أقبل عليها ولدها منكس الرأس " الناظر طردني وقال لي لا تأتِ المدرسة مرة اخرى إلا ومعك مصروفات الدراسة " .
فاض بالأم الكيل ولم تدري ماذا تفعل .. كانت قد اقتصدت ووفرت هذا الشهر بعض المال كي تأتي بالفستان الأبيض الذي تريده ابنتها مثل باقي قريناتها من بنات الجيران حتى لا تتعرض لسخريتهن على ملابسها القديمة .
حدثتها نفسها أن تخرج ابنها من المدرسة ثم تلحقه للعمل في ورشة لإصلاح السيارات وبذلك تنتهي من حِمل يثقل كاهلها ويؤرق ليلها وتنتهي من الإنفاق عليه ويساعدها بما يأتي من مال على معيشة كريمة .. ثم ماذا فعل الذين حصلوا على الشهادة إنهم يفترشون على المقهى التي أمامي .. هذا هو الحق لابد أن لا يذهب الى المدرسة .. ثم إني سأجعله يعتمد على نفسه منذ الصغر حتى يتعلم كيف يحصل على الجنيه.
قالت له بلهجة آمرة " إذهب الى البيت فلن تذهب الى المدرسة مرة ثانية .. سألحقك في ورشة إصلاح السيارات "
" ولكن يا أمي ...." قاطعته " لا تنطق بكلمة إذهب "
إنصرف الولد ومطر من الدموع ينهمر من عينيه .. يندب حظه العاثر وهو يرى كل الأحلام تقتل أمامه .. " هذا ظلم .. لعنة الله على المال لعنة الله على المال " .
***********************
خاصم النوم عينها وباءت كل محولاتها للإستسلام للنوم بالفشل .. شعرت بالذنب العميق وكلما أسلمت رأسها للوسادة تحول سقف الحجرة الى شريط سينمائي يقص ذكريات الماضي تذكرت زوجها حين سأل إبنهم " ماذا تريد أن تكون يا محمد " .. يجيب عليه بحماس لشئ مفتقده " ضابط يا أبي .. كي أقبض على اللصوص الذين ينهبون أموال الفقراء " .. وتذكرت كيف إقترض زوجها مبلغاً من المال من صديقه كي يأتي ببذلة ضابط صغيرة .. وكيف كانت سعادتها وهي تحتضنه وهو يرتديها ويقول " الأن أنزل الى الحارة كي ألعب مع الأولاد عسكر وحرامية " .. واستسلمت الى النوم .
إستيقظت على صوت الرعد وهو يضرب النافذة والأمطار وهي تلفح الأشجار التي لم يغادرها العصافير التي توقفت عن التغريد بفعل البرد القارس .. نظرت الى إبنها وهو مستلقي على الفراش فوجدت أثار الدموع تركت خطين على وجنتيه .. " إستيقظ يا محمد كي تذهب الى المدرسة " .. إنتفض من على الفراش مبتسماً وكأنه لم يكن قد تسلل النوم إليه " أحقاً سأذهب الى المدرسة يا أمي .. وماذا عن مصروفات الدراسة ؟! " .. قالت له وهي تمسح بيدها رأسه " سأعطي لك النقود التي كنت قد إدخرتها لشراء فستان لأختك " .
قبض على المال بيده ثم مضى في خطوات متثاقلة الى الحمام ليغسل وجه ثم أرتدى ملابس المدرسة وغادر المنزل .. كانت الشمس تحجبها السُحب والأمطار تضرب الأرض بعنف محدثةً دوائر على الماء المتجمع على الأرض .. وكان الطريق خالياً من المارة وكان يركض تارة ويقف تحت الشجر تارة .. وتذكر وهو واقف أباه وقت الإحتضار وهو يربت على منكبه " خد بالك من أختك يا محمد .. لاتتركها تحتاج شيئاً " .. تكرر الهاتف في أذنه كثيراً .. أزعجه بطريقة لم يكن يتوقعها تذكر كيف ستكون حالة أخته من البكاء عندما لا تأتي أمه لها بالفستان الأبيض مثل باقي أقرانها .
وقف برهة أمام بوابة المدرسة ثم قرر أن لا يدفع مصروفات الدراسة .
****************************
سأله الناظر " أين المصروفات ؟! " .. قال وهو منكساً رأسه ينظر الى حذائه البالي" لم آتي بها .. أمهلني شهراً حتى يكون مع أمي مال " .. قال له الناظر "شهراً يا ذو الشعر الأجعد " .
قبض الناظر على العصا وأقبل على الولد الذي تراجع الى الخلف حتى لاصق ظهره الحائط وهو يتوسل إليه " والنبي لا تضربني الجو بارد " .. لم يرحم توسله ودموعه وأخذ يضربه على كل ما أقبل من جسده .. ثم قال له وهو يشير الى بوابة المدرسة " إذهب ولا تأتي إلا ومعك المصروفات " .
إتجه الى البوابة في خطوات بطيئة واضعاً يده على مواضع الألم .. فلحقه الناظر بضربة على مقعدته وهو يصرخ فيه " أسرع يا بليد "
وهو يخرج من البوابة وجد معلمته أمامه .. كانت معلمته تتوسم فيه خيراً دوناً عن باقي التلاميذ لذكائه الحاد وأدبه الجم وشغفه للعلم والمعرفة وكتابة الواجب التي كانت تمليه عليه .. بادرته بالسؤال " لماذا تبكي وأين ذاهب " .. قص عليها بأنفاس متقطعه حكايته وكيف أن أمه أعطته المال التي كانت قد ادخرته لشراء فستان لأخته في العيد .. وأنه آثار فستان أخته على دفع مصروفات الدراسة .
وضعت يدها على رأسه وقالت وهي تخفي البؤس بإبتسامة " لا تخف .. تعال معي " .
ذهبت به المعلمة الى الأخصائي الإجتماعي الذي استمع الى حكاية الولد التي تأثر بها وقام بدوره بإعفائه من المصروفات الدراسية .
غمرت السعادة الولد وقدم الشكر الى معلمته والأخصائي الإجتماعي .. ورفع رأسه وذهب الى الفصل ليحضر دروسه .
عاد الولد بعد اليوم الدراسي يمضي في الشوارع تحت الأمطار التي مازالت تضرب الأرض بقوة رافعاً رأسه الى السماء النصف غائمة يستقبل الأمطار على وجه منتشياً بها .
دخل البيت وقص ما حدث على أمه التي إحتضنته وحمدت الله على نعمته .
ثم قدم إليها المال وقال " إشتري لأختي الفستان واصنعي لنا كعك العيد " .






said:



said:

said:









من مصر